عبد الرحمن بن ناصر السعدي
698
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
جمعن حسن الوجوه والأبدان ، وحسن الأخلاق . * ( في ظلال على الأرائك ) * أي : السرر المزينة ، باللباس المزخرف الحسن . * ( متكئون ) * عليه ، اتكاء دالا على كمال الراحة ، والطمأنينة ، واللذة . * ( لهم فيها فاكهة ) * كثيرة ، من جميع أنواع الثمار اللذيذة ، من عنب وتين ، ورمان ، وغيرها . * ( ولهم ما يدعون ) * أي : يطلبون ، فمهما طلبوه وتمنوه أدركوه . ولهم أيضا * ( سلام ) * حاصل لهم * ( قولا من رب رحيم ) * . ففي هذا ، كلام الرب تعالى لأهل الجنة ، وسلامه عليهم ، وأكده بقوله : * ( قولا ) * وإذا سلم عليهم الرب الرحيم ، حصلت لهم السلامة التامة ، من جميع الوجوه ، وحصلت لهم التحية ، التي لا تحية أعلى منها ، ولا نعيم مثلها . فما ظنك بتحية ملك الملوك ، الرب العظيم ، الرؤوف الرحيم ، لأهل دار كرامته ، الذين أحل عليهم رضوانه ، فلا يسخط عليهم أبدا . فلولا أن الله تعالى ، قدر أن يموتوا ، أو تزول قلوبهم عن أماكنهم من الفرح ، والبهجة ، والسرور ، لحصل ذلك . فنرجو ربنا ، أن لا يحرمنا ذلك النعيم ، وأن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم . * ( وامتازوا اليوم أيها المجرمون * ألم أعهد إليكم يبني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني ه ذا صراط مستقيم * ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون * ه ذه جهنم التي كنتم توعدون * اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون * اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون * ولو نشآء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون * ولو نشآء لمسخناهم على مك انتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ) * لما ذكر تعالى جزاء المتقين ، ذكر جزاء المجرمين * ( و ) * أنهم يقال لهم يوم القيامة * ( امتازوا اليوم أيها المجرمون ) * أي : تميزوا عن المؤمنين ، وكونوا على حدة ، ليوبخهم ، ويقرعهم على رؤوس الأشهاد ، قبل أن يدخلهم النار ، فيقول لهم : * ( ألم أعهد إليكم ) * أي : ألم آمركم وأوصيكم ، على ألسنة رسلي ، وأقول لكم : * ( يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ) * أي : لا تطيعوه ؟ وهذا التوبيخ ، يدخل فيه التوبيخ عن جميع أنواع الكفر والمعاصي ، لأنها كلها طاعة للشيطان ، وعبادة له . * ( إنه لكم عدو مبين ) * فحذرتكم منه ، غاية التحذير ، وأنذرتكم عن طاعته ، وأخبرتكم بما يدعوكم إليه ، * ( و ) * أمرتكم * ( أن اعبدوني ) * بامتثال أوامري وترك زواجري . * ( هذا ) * أي : عبادتي وطاعتي ، ومعصية الشيطان * ( طراط مستقيم ) * . فعلوم الصراط المستقيم وأعماله ، ترجع إلى هذين الأمرين . أي : فلم تحفظوا عهدي ، ولم تعلموا بوصيتي ، * ( ولقد ) * واليتم عدوكم ، وهو الشيطان ، الذي * ( أضل منكم جبلا كثيرا ) * أي : خلقا كثيرا . * ( أفلم تكونوا تعقلون ) * أي : فلا كان لكم عقل ، يأمركم بموالاة ربكم ، ووليكم الحق ، ويزجركم عن اتخاذ أعدى الأعداء لكم وليا ، فلو كان لكم عقل صحيح لما فعلتم ذلك . فإذا أطعتم الشيطان ، وعاديتم الرحمن ، وكذبتم بلقائه ، ووردتم القيامة دار الجزاء ، وحق عليكم القول بالعذاب * ( هذه جهنم التي كنتم توعدون ) * وتكذبون بها ، فانظروا إليها عيانا ، فهناك تنزعج منهم القلوب ، وتزوغ الأبصار ، ويحصل الفزع الأكبر . ثم يكمل ذلك ، بأن يؤمر بهم إلى النار ، ويقال لهم : * ( اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ) * أي : ادخلوها على وجه تصلاكم ، ويحيط بكم حرها ، ويبلغ منكم كل مبلغ ، بسبب كفركم بآيات الله ، وتكذيبكم لرسل الله . قال تعالى في بيان وصفهم الفظيع ، في دار الشقاء * ( اليوم نختم على أفواههم ) * بأن نجعلهم خرسا ، فلا يتكلمون ، فلا يقدرون على إنكار ما علموه ، من الكفر ، والتكذيب . * ( وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ) * أي : تشهد عليهم أعضاؤهم بما علموه ، وينطقها الذي أنطق كل شيء . * ( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ) * بأن نذهب أبصارهم ، كما طمسنا على نطقهم . * ( فاستبقوا الصراط ) * أي : فبادروا إليه ؛ لأنه الطريق إلى الوصول إلى الجنة * ( فأنى يبصرون ) * وقد طمست أبصارهم . * ( ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم ) * أي : لأذهبنا حركتهم * ( فما استطاعوا مضيا ) * إلى الأمام * ( ولا يرجعون ) * إلى ورائهم ، ليبعدوا عن النار . والمعنى : أن هؤلاء الكفار ، حقت عليهم كلمة العذاب ، ولم يكن بد من عقابهم . وفي ذلك الموطن ، ما ثم إلا النار قد برزت ، وليس لأحد نجاة إلا بالعبور على الصراط . وهذا لا يستطيعه إلا أهل الإيمان ، الذي يمشون في نورهم . وأما هؤلاء ، فليس لهم عند الله من عهد في النجاة من النار . فإن شاء طمس أعينهم ، وأبقى حركتهم ، فلم يهتدوا إلى الصراط لو استبقوا إلى وبادروه . وإن شاء ، أذهب حراكهم ، فلم يستطيعوا التقدم ولا التأخر . والمقصود : أنهم لا يعبرونه ، فلا تحصل لهم النجاة . * ( ومن نعمره ننك سه في الخلق أفلا يعقلون ) * يقول تعالى : * ( ومن نعمره ) * من بني آدم * ( ننكسه في الخلق ) * أي : يعود إلى الحالة التي ابتدأ منها ، حالة الضعف ، ضعف العقل ، وضعف القوة . * ( أفلا يعقلون ) * أن الآدمي ناقص من كل وجه ، فيتداركوا قولهم وعقولهم ، فيستعملوها في طاعة ربهم . * ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ) * ينزه تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما رماه به المشركون ، من أنه شاعر ، وأن الذي جاء به شعر فقال : * ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) * أن يكون شاعرا ، أي : هذا من